
أكد محمود الحلفاوي، خبير الحوكمة والالتزام، أن تصاعد مستويات الدين العام في مصر بات يمثل أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد الوطني، في ظل ارتفاع نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الماضية، مشددًا على أن مبادلة الديون بالأصول ليست الحل الأمثل لمعالجة هذه الأزمة.
وأوضح الحلفاوي أن تضخم أعباء خدمة الدين يفرض ضرورة تبني سياسات واضحة واستراتيجيات طويلة ومتوسطة الأجل تستهدف خفض الدين بصورة مستدامة، بدلًا من اللجوء إلى حلول مؤقتة قد تضر بالأصول الاستراتيجية للدولة.
واستعرض خبير الحوكمة مجموعة من المحاور الرئيسية التي يمكن من خلالها تقليص الدين العام، يأتي في مقدمتها تحقيق نمو اقتصادي مستدام عبر تشجيع الاستثمارات الإنتاجية، لا سيما الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات التصديرية ذات القيمة المضافة المرتفعة، إلى جانب دعم الصادرات غير النفطية من خلال تطوير الصناعات التحويلية والزراعية والخدمية القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
كما شدد على أهمية تعظيم العوائد السياحية من خلال تنويع المنتج السياحي، خاصة السياحة الثقافية والطبية، بما يسهم في زيادة تدفقات النقد الأجنبي وتحسين ميزان المدفوعات.
وأشار الحلفاوي إلى أن ترشيد الإنفاق العام يمثل ركيزة أساسية في خفض الدين، وذلك من خلال إعادة هيكلة منظومة الدعم لتوجيهه إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتحسين كفاءة الأداء الحكومي عبر التحول الرقمي والحد من الهدر ومكافحة الفساد، فضلًا عن إعادة هيكلة الشركات العامة الخاسرة، سواء بالخصخصة الجزئية أو الإغلاق في حالات الخسائر المزمنة.
وأضاف أن تنويع مصادر التمويل يعد عنصرًا محوريًا في إدارة ملف الديون، من خلال تعميق سوق الأوراق المالية المحلية وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي، إلى جانب إصدار أدوات دين متنوعة مثل السندات الخضراء والسندات المرتبطة بمشروعات البنية التحتية، فضلًا عن تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مشروعات الخدمات والبنية الأساسية.
وأوضح الحلفاوي أن الإدارة الفعالة للدين العام تتطلب إطالة آجال الاستحقاق، وتحويل الديون قصيرة الأجل إلى طويلة الأجل، مع تنويع العملات المقترض بها للحد من مخاطر تقلبات أسعار الصرف، بالإضافة إلى الاستفادة من مبادرات تخفيف الديون الدولية والتفاوض على برامج ثنائية ومتعددة الأطراف.
كما لفت إلى أهمية زيادة الإيرادات العامة عبر توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا، إلى جانب تطوير منظومة التحصيل الإلكتروني ومكافحة التهرب الضريبي.
وأكد أن السياسات القطاعية يمكن أن تسهم بدور داعم في خفض الدين، من خلال تنمية قطاعات التكنولوجيا والابتكار، والاستثمار في التعليم والتدريب المهني لرفع كفاءة القوى العاملة، والتوسع في الاقتصاد الأخضر والاستفادة من التمويل الدولي لمشروعات الطاقة المتجددة.
وحول متطلبات نجاح هذه السياسات، أشار الحلفاوي إلى أن الاستقرار السياسي يمثل شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات، إلى جانب ضرورة تعزيز الإصلاح المؤسسي وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة، فضلًا عن توسيع نطاق التعاون الإقليمي والدولي لفتح آفاق تمويل وتجارية جديدة.
واختتم الحلفاوي تصريحاته بالتأكيد على أن معالجة أزمة الدين العام في مصر تتطلب نهجًا شاملًا ومتكاملًا يجمع بين النمو الاقتصادي وترشيد الإنفاق وحسن إدارة الدين، مشيرًا إلى أن تحقيق الاستدامة المالية مرهون بتوافر إرادة سياسية قوية، وإصلاحات هيكلية جادة، ودعم مجتمعي، وعلاقات دولية متوازنة، بما يضع الاقتصاد المصري على مسار تنموي مستدام






