منوعات

الدكتور وفيق نصير يكتب: تحديات عام 2026 ومخاطر تصعيد محتمل مع إيران

في عام 2026، ومع استمرار الضغوط غير المسبوقة التي تواجه البيئة العالمية، أجد نفسي، من موقعي كعضو في البرلمان العالمي للبيئة، مطالبًا بدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل كوكبنا. من القاهرة، حيث أتابع عن قرب التفاعلات الإقليمية والدولية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد الأزمات البيئية منفصلة عن الصراعات السياسية، بل أصبحت جزءًا مباشرًا من نتائجها وتداعياتها.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التدهور البيئي المتسارع عن احتمالات التصعيد الجيوسياسي، وعلى رأسها التوترات المرتبطة بإيران، والتي قد تقود – في حال انفجارها – إلى كارثة بيئية طويلة الأمد تتجاوز حدود الدول وتطال الإقليم بأكمله. فالبيئة لم تعد مجرد مسرح جانبي للأحداث، بل باتت الضحية الأولى لأي صراع، والعبء الأكبر الذي تتحمله الأجيال القادمة.

المشهد البيئي العالمي في 2026: أزمات تتسارع

مع بداية عام 2026، يواجه العالم حزمة متراكمة من التحديات البيئية، في مقدمتها تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، والتراجع الحاد في التنوع البيولوجي، واستمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري. وتشير تقارير Earth.Org إلى أن أبرز القضايا البيئية لهذا العام تشمل الاحترار العالمي، وسياسات المناخ غير الكافية، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث البلاستيكي، وإزالة الغابات، إلى جانب التلوث بمختلف أشكاله.

كما تؤكد تقارير صادرة عن منظومة الأمم المتحدة أن أجندة عام 2026 ستركز بشكل خاص على حماية المراعي الطبيعية، وتعزيز قدرة المناطق الجافة على التكيف مع ندرة المياه، في ظل توقعات بتجاوز مؤقت لعتبة 1.5 درجة مئوية في متوسط درجات الحرارة العالمية.

ورغم ذلك، أظهر تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي تراجع ترتيب المخاطر البيئية قصيرة الأجل، مثل الظواهر الجوية المتطرفة والتلوث، لصالح مخاطر اقتصادية وجيوسياسية أكثر إلحاحًا في نظر صناع القرار. إلا أن هذا التراجع في الترتيب لا يعكس تراجعًا في الخطورة، بل يعكس تغيرًا في أولويات النقاش العالمي.

عام 2025 كان ثالث أكثر الأعوام سخونة في التاريخ المسجل، مع استمرار ارتفاع الانبعاثات الكربونية في بعض الاقتصادات الكبرى، رغم التوسع النسبي في الطاقة النظيفة. وفي مصر ومنطقة الشرق الأوسط، تتقاطع هذه التطورات مع أزمات مزمنة مثل ندرة المياه والتصحر، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

ورغم دخول اتفاقية أعالي البحار حيز التنفيذ مطلع 2026، بما يوفر حماية لنحو نصف مساحة الكوكب، فإن التلوث البلاستيكي لا يزال يقوض قدرة المحيطات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون. كما شهد عام 2025 تبييضًا غير مسبوق للشعاب المرجانية، طال نحو 84% منها نتيجة الارتفاع القياسي في درجات حرارة المحيطات.

تصعيد محتمل مع إيران: خطر بيئي يتجاوز السياسة

في ظل هذا المشهد البيئي الهش، تبرز التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها احتمالات التصعيد مع إيران، كأحد أخطر التهديدات البيئية المحتملة. فقد شهد عام 2025 مواجهة عسكرية محدودة بين إسرائيل وإيران استمرت 12 يومًا، وأسفرت عن تلوث جوي ومائي، وحرائق في منشآت نفطية، إلى جانب مخاوف متعلقة بالمنشآت النووية.

وفي عام 2026، لا تزال التحذيرات قائمة من تصعيد جديد، خاصة مع تهديدات أمريكية بتوجيه ضربات أشد في حال تعثر التوصل إلى اتفاق نووي، إلى جانب احتمالات قيام إسرائيل باستهداف منشآت نووية إيرانية.

أي مواجهة عسكرية من هذا النوع ستكون لها تداعيات بيئية مدمرة، تبدأ من الخليج الفارسي، حيث قد يؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى تسرب نفطي واسع النطاق، يعيد إلى الأذهان كوارث بيئية شهدتها المنطقة خلال الحرب العراقية الإيرانية، ويدمر النظم البيئية البحرية والساحلية.

كما أن استهداف منشآت نووية يحمل مخاطر إشعاعية جسيمة، قد تنتقل عبر الرياح لتلوث التربة والمياه في دول مجاورة مثل العراق ودول الخليج، بما يهدد الصحة العامة لسنوات وربما لعقود.

إلى جانب ذلك، تطلق الحروب كميات هائلة من الانبعاثات الكربونية نتيجة الحرائق والانفجارات واستخدام الأسلحة الثقيلة، ما يؤثر على الغلاف الجوي ويسهم في تعميق أزمة المناخ. وفي حال تصعيد واسع، قد تشهد أسواق الطاقة قفزات حادة في أسعار النفط، ما يعرقل جهود التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.

إقليميًا، قد يعاني العراق من تدهور إضافي في جودة الهواء والمياه، مع موجات نزوح سكاني تزيد من الضغط على الموارد الطبيعية وتفاقم التصحر. أما إيران نفسها، فهي تواجه بالفعل أزمات بيئية داخلية، تشمل نقص المياه وتآكل التربة، وهي عوامل قد تكون أشد تأثيرًا على استقرارها من أي مواجهة عسكرية مباشرة.

التحذير والمسار البديل: السلام كضرورة بيئية

انطلاقًا من هذه المعطيات، أدعو، بصفتي عضوًا في البرلمان العالمي للبيئة، إلى تبني دبلوماسية بيئية عاجلة، تضع حماية النظم الطبيعية في قلب أي تسوية سياسية. يجب على المجتمع الدولي تكثيف الجهود لتجنب التصعيد العسكري، والعمل على اتفاقيات نووية تضع الاعتبارات البيئية في صدارة أولوياتها.

وفي مصر والمنطقة، يصبح الاستثمار في الطاقة المتجددة، والإدارة المستدامة للمياه، وحماية التنوع البيولوجي، ضرورة استراتيجية وليست خيارًا مؤجلًا. فالسلام لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبح شرطًا أساسيًا لحماية البيئة وضمان مستقبل قابل للحياة.

في الختام، فإن أي حرب محتملة مع إيران لن تكون مجرد مواجهة جيوسياسية، بل ستضاف إلى سجل الكوارث البيئية التي يشهدها عام 2026. والوقت لا يزال متاحًا للعمل من أجل كوكب أكثر أمانًا وخضرة، قبل أن يصبح الندم هو الإرث الوحيد الذي نتركه للأجيال القادمة.

•يذكر أن الدكتور وفيق نصير، هو عضو البرلمان العالمي للبيئة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى