
أكد طارق الحوسني، كبير مهندسي الرؤية ومؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة زيروجرافيتي، أن العالم يشهد تحولًا غير مسبوق في مركز الثقل المعرفي، مع تجاوز عدد مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي حاجز المليار مستخدم عالميًا مطلع عام 2026، مشيرًا إلى أن بعض منصات المحادثة التوليدية تخدم نحو 800 مليون مستخدم نشط أسبوعيًا، فيما تقترب منصات أخرى من 750 مليون مستخدم شهريًا.
وأوضح أن هذه المؤشرات لا تعكس مجرد انتشار تقني متسارع، بل تمثل إعادة تشكيل عميقة للهندسة المعرفية التي تُدار من خلالها المعرفة وصناعة القرار، لافتًا إلى أن الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي بلغت مستويات قياسية، وسط توقعات مؤسسات بحثية مثل IDC بتجاوز الإنفاق العالمي مئات المليارات من الدولارات سنويًا.
600 مليار دولار استثمارات مرتقبة
وأشار الحوسني إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى، من بينها Microsoft وGoogle وAmazon وMeta، تتجه لضخ استثمارات رأسمالية قد تقترب من 600 مليار دولار خلال عام 2026، لتطوير البنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، بما يشمل الحوسبة السحابية، والرقائق المتخصصة، ومراكز البيانات.
وأوضح أن هذه الاستثمارات لا تستهدف تطوير تطبيقات تقليدية فحسب، بل تهدف إلى تأسيس طبقة تشغيل جديدة للاقتصاد العالمي، تُعاد من خلالها صياغة أنماط الإنتاج واتخاذ القرار.
تحولات في سلوك الوصول إلى المعرفة
وفيما يتعلق بسلوك المستخدمين، لفت إلى أن الاعتماد المتزايد على الإجابات الجاهزة بدل الرجوع إلى المصادر الأصلية يمثل تحولًا نوعيًا في طريقة الوصول إلى المعرفة، مستشهدًا بتحليلات منصات متخصصة مثل Similarweb، التي تشير إلى أن نسبة ملحوظة من عمليات البحث عبر أدوات الذكاء الاصطناعي تنتهي دون زيارة مواقع خارجية.
وحذر من أن استمرار ظاهرة «الهلوسة» في بعض النماذج، رغم التحسن التقني، يعني أن الخطأ لم يعد تقنيًا فقط، بل قد يتحول إلى عامل مؤثر في تشكيل الإدراك العام، مضيفًا: «عندما يصبح مصدر المعرفة وسيطًا ذكيًا ومغلقًا، فإن أي انحياز خوارزمي قد يعيد صياغة الوعي الجمعي دون أن نشعر».
من حماية البيانات إلى إدارة التأثير المعرفي
وشدد الحوسني على أن مفهوم «السيادة الخوارزمية» يتجاوز مجرد امتلاك التكنولوجيا، موضحًا أن السؤال الأهم لم يعد من يملك التقنية، بل من يملك الإطار المعرفي الذي تعمل من خلاله. وأكد أن قوانين حماية البيانات، رغم أهميتها، لم تعد كافية في ظل أنظمة باتت تولّد معرفة وثقافة، داعيًا إلى الانتقال من حماية المعلومات إلى إدارة التأثير المعرفي.
إعادة تعريف قيمة الإنسان في سوق العمل
وعن مستقبل الوظائف، أشار إلى أن القلق المتزايد مفهوم في ظل التحولات الحالية، لكنه يرى أن القضية الأعمق تتعلق بإعادة تعريف قيمة الإنسان في بيئة العمل. وقال إن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الإنسان بقدر ما يعيد صياغة دوره، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستُعلي من قيمة القدرة على التكيف النقدي والفهم السياقي العميق، مقابل تراجع أهمية المهام القابلة للتكرار.
وبيّن أن تحليلات إنتاجية حديثة تشير إلى إمكانية رفع كفاءة بعض القطاعات بنسبة تتراوح بين 20% و40% بفضل استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في الأعمال المعرفية، وهو ما سيخلق ضغوطًا على الأدوار التقليدية في المقابل.
الإنسان في قلب المعادلة
واختتم الحوسني بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس تقنيًا بحتًا، بل إنساني بالدرجة الأولى، مشددًا على أن «المعركة القادمة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين الإنسان ونمط التفكير السهل»، مؤكدًا أن الحفاظ على القدرة على النقد والسؤال والشك هو الضمانة الحقيقية لبقاء الإنسان في مركز منظومة القرار في عصر تتسارع فيه النماذج الذكية بوتيرة غير مسبوقة




