
«التوائم الرقمية».. كيف يحافظ الذكاء الاصطناعي على الخبرات بعد غياب أصحابها؟
من الخيال العلمي إلى الواقع المؤسسي: زيروجرافيتي تكشف مستقبل استمرارية العمل
يشهد الذكاء الاصطناعي طفرة متسارعة تفوق التوقعات التقليدية، ليصبح أحد أكثر الأدوات تأثيرًا في إعادة تشكيل بيئات العمل والاقتصاد العالمي. ومع التوسع المتزايد في توظيفه بمختلف القطاعات، تتصاعد الأسئلة حول مستقبل الوظائف، ودور الإنسان في منظومات إنتاج تعتمد بشكل متزايد على التقنيات الذكية. ومن بين هذه التساؤلات يبرز سؤال غير تقليدي: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يواصل أداء مهامك المهنية حتى بعد غيابك أو وفاتك؟
هذا التصور، الذي ظل لسنوات طويلة حبيس أدب الخيال العلمي، بدأ يقترب من الواقع العملي، بعد إعلان شركة زيروجرافيتي المتخصصة في البرمجيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي عن تطوير مفهوم «التوائم الرقمية للموظفين»، وهي نماذج ذكية تحاكي الخبرات المهنية والسلوك الوظيفي للأفراد، ضمن أطر قانونية وأخلاقية صارمة.
وتقوم فكرة التوائم الرقمية على تحليل معمق لمسار الموظف المهني، وآليات اتخاذ القرار، والخبرات التراكمية التي اكتسبها على مدار سنوات عمله، بما يتيح للذكاء الاصطناعي تنفيذ بعض المهام بكفاءة، حتى في حالات الغياب القسري أو الوفاة البيولوجية، دون أن يعني ذلك إلغاء الدور الإنساني.
وأوضحت زيروجرافيتي أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها الأولى، لكنها مرشحة لتطور سريع مع التقدم المتلاحق في قدرات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل الحفاظ على استمرارية الإنتاجية ونقل المعرفة المؤسسية أمرًا قابلًا للتطبيق خلال المستقبل القريب.
ورغم الإمكانات الواسعة التي تفتحها هذه الابتكارات، فإنها تثير مخاوف لدى بعض العاملين، خاصة فيما يتعلق بإمكانية الاستغناء عن الوظائف البشرية. إلا أن مسؤولي الشركة يؤكدون أن الهدف الأساسي لا يتمثل في إحلال الإنسان، بل في حماية رأس المال المعرفي للمؤسسات، وضمان عدم تعطل العمل أو فقدان الخبرات الحرجة، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية والمشروعات طويلة الأمد، التي قد تتأثر بشكل بالغ بالغياب المفاجئ للكوادر المؤهلة.
وفي هذا الإطار، قال طارق الحوسني، كبير مهندسي الرؤية والمؤسس ورئيس مجلس إدارة زيروجرافيتي، إن الهدف الجوهري من التوائم الرقمية يتمثل في تمكين المؤسسات والموظفين معًا، وليس استبدال العنصر البشري. وأوضح أن هذه النماذج الذكية تمثل وسيلة لحفظ الخبرات المتراكمة وضمان استمرارية الأداء، حتى في حالات الغياب أو الوفاة، ضمن منظومة تحترم القوانين والمعايير الأخلاقية.
من جانبه، شدد ناصر هلال، رئيس المكتب التنفيذي للمجموعة، على أن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا يأتي على رأس أولويات الشركة، مؤكدًا أن التوائم الرقمية صُممت لتكون أداة داعمة تعزز الإنتاجية وتدعم الموظفين بدلًا من تهديدهم. وأضاف أن التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي يجعل هذه الحلول أقرب إلى الواقع، لكن الالتزام بالضوابط الأخلاقية والتشريعية يظل شرطًا أساسيًا لتطبيقها.
ويرى محللون أن هذا التوجه قد يسهم في إعادة تعريف مفهوم العمل ذاته، لينتقل من مجرد تنفيذ مهام يومية إلى بناء إرث معرفي مستدام، يحافظ على الخبرات البشرية ويمنع ضياعها في أوقات الأزمات أو الغياب غير المتوقع.
وحول جاهزية الأسواق لتبني هذا الابتكار، أشار طارق الحوسني إلى أن العالم العربي شهد خلال الفترة الأخيرة نموًا ملحوظًا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لافتًا إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تصدرت إقليميًا من حيث اعتماد القوى العاملة على هذه التقنيات. وأكد أن البيئة المحلية باتت مهيأة لاستيعاب حلول مبتكرة تدعم الاقتصاد الوطني، شريطة استيفاء المتطلبات التقنية والقانونية والأخلاقية.
واختتم الحوسني بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، لا يمثل بديلًا للإنسان، بل أداة لحماية المعرفة البشرية وضمان استمراريتها، بما يدعم جودة العمل، ويواكب تحولات العصر، دون التفريط في البعد الإنساني للعمل.






