أخبار مصر

ماجدة القاضي تكتب: الخطاب الأمريكي لمصر… ليس وديًا بالمرة

الخطاب الأمريكي الأخير بشأن سدّ النهضة لا يمكن قراءته بوصفه رسالة ود أو تهدئة. هذه قراءة سطحية خاطئة في فهم طبيعة النص ووظيفته السياسية.

فالخطاب لا يحمل وعودًا ، ولا ضمانات، ولا ضغطًا على الطرف الإثيوبي، بل يعمل بطريقة مختلفة تمامًا: إعادة تعريف الأزمة، وضبط حدود الحركة داخلها.

الخطاب لا يقول لمصر “نحن معك”، ولا يقول لإثيوبيا “تراجعي”، بل يقول للطرفين معًا: لا تغيّروا قواعد اللعبة أنا ربكم الأعلى لم اسمح بذلك
“لغة تبدو هادئة… لكنها تُفرغ القضيةمن مضمونها”

أول ما يلفت في الخطاب هو ما لم يُذكر فيه.

لا حديث عن حقوق مائية، ولا عن ضرر جسيم، ولا عن قواعد ملء وتشغيل ملزمة، ولا عن آلية تنفيذ أو ضمان. كل المفردات القانونية الثقيلة غائبة عمدًا وكل أشواط التفاوض التى تحملت فيها الصيف الإثيوبي تم نسيانها ببساطه.

بدل ذلك، تُوصَف الأزمة بأنها “نزاع مفهوم”.

وهنا تكمن الحيلة الأساسية:
حين تتحول القضية من تهديد وجودي إلى “نزاع مفهوم”، تُسحب منها صفة الاستثناء، ويتم غلق الباب أمام أي مسار حاسم، وتوضع في خانة الخلاف القابل للإدارة لا الحل.

ثم تأتي الجملة الأخطر: التحذير الناعم من الصدام العسكري.
هذه ليست نصيحة، بل ترسيم لخط أحمر.
الرسالة الضمنية واضحة: أي تحرك حاسم سيُقرأ كخروج عن الإجماع الدولي، لا كدفاع عن حق.

“”السؤال لماذا الآن؟
العودة الأمريكية للحديث عن السد في هذا التوقيت لا ترتبط بتطور فني في المشروع، فالسد لم يتغير بكل ازماته وعيوبه وتمويله الامريكى المعروف.

ما تغيّر هو سلوك مصر الإقليمي.
التحرك المصري في الصومال كشف قدرة القاهرة على تغيير موازين دون حرب، وبأدوات سيادية ذكية، وداخل إطار الشرعية. هذا النوع من الحركة الهادئة هو تحديدًا ما تسعى واشنطن إلى احتوائه، لا إلى تشجيعه.
فتح ملف السد الآن ليس مبادرة حل، بل إجراء فرملة سياسية قبل أن يتسع هامش المبادرة المصرية في القرن الإفريقي.
الصومال والقرن الإفريقي: الخلفية الحقيقية

واشنطن لا ترى سد النهضة كملف مياه منفصل، بل كجزء من منظومة أوسع تشمل:
القرن الإفريقي،
أمن البحر الأحمر،
الطاقة،
وإدارة النفوذ في منطقة حساسة تشهد تنافسًا دوليًا متصاعدًا.

حين تتحرك مصر كلاعب قادر على تعديل التوازن في الصومال، فهذا ينعكس مباشرة على موقع إثيوبيا الإقليمي، وعلى ترتيبات البحر الأحمر، وعلى معادلة “الاستقرار المُدار” التي تعتمدها واشنطن.
ومن هنا جاء الخطاب: هادئ في لغته، لكنه حاسم في رسالته.
رسالة تقول: مصر توقفي عند هذا الحد.

لماذا ذُكرت السعودية والإمارات في سياق الخطاب؟
إدراج السعودية والإمارات في الـ CC لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل خطوة سياسية مقصودة لها ثلاث وظائف واضحة.

أولًا، توسيع دائرة الأزمة وتحويلها من ملف ثنائي أو قانوني إلى ملف إقليمي متعدد الأطراف، يُدار بالتوازنات لا بالنصوص. هذا يُضعف مركزية القرار المصري ويخفف الضغط عن إثيوبيا.

ثانيًا، إعادة توظيف الخليج ككابح لا كداعم. وجود أطراف إقليمية مؤثرة على الطاولة يعني ضمنيًا أن أي تصعيد مصري سيُقرأ كتهديد للاستقرار الجماعي، لا كدفاع سيادي منفرد.

ثالثًا، التمهيد لمسار اقتصادي لاحق. السعودية والإمارات ليستا وسيطتين سياسيتين فقط، بل فاعلتان في الطاقة والاستثمار والبنية التحتية في القرن الإفريقي وشريك اساس في البنية الاقتصادية في مصر . إدراجهما في الخطاب هو تهيئة مبكرة للانتقال من منطق الحقوق إلى منطق الترتيبات والمنافع والصفقات.

“”ما الذي تريد واشنطن تثبيته؟
الخطاب لا يبحث عن اتفاق، بل عن تثبيت وضع:
• إثيوبيا داخل شرعية الأمر الواقع
• السد خارج أي تهديد حقيقي
• ومصر داخل سقف التهدئة والانضباط

الهدف ليس حل الأزمة، بل إعادة هندسة موقع مصر:
من لاعب يغيّر الموقف بحنكة، إلى طرف يُضبط إيقاعه بهدوء.
الخاتمة الاستشرافية

السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا تريد واشنطن من هذا الخطاب؟

بل: هل تقبل مصر أن تعود إلى الإيقاع الذي يُضبط لها؟

إذا قبلت القاهرة هذا التعريف الأمريكي للأزمة، فسيُغلق ملف السد كقضية حقوق، ويُعاد فتحه كملف إدارة ومقايضة وشراكات طويلة الأمد تُدار من الخارج.

أما إذا رفضت هذا الضبط الناعم، فسنكون أمام مرحلة مختلفة، تُوسّع فيها مصر نموذج الصومال، وتستثمر أدواتها الإقليمية بهدوء، وتُبقي السد ملفًا مفتوحًا لا صفقة مُغلقة.

ولهذا جاء الخطاب الآن، بهذه اللغة تحديدًا، وبهذا السقف المنخفض .. لاتنخدعوا باللطف الامريكى في الواجهه فلم تعد امريكا تمتلك لطف لأحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى