
كشف الدكتور حسن عبداللطيف، خبير حوكمة الشركات، عن تصاعد ظاهرة “التسييل النقدي” في السوق المصرية خلال الفترة الأخيرة، إذ يلجأ عدد متزايد من الأفراد إلى وسطاء أو سماسرة غير رسميين لتحويل التمويلات الاستهلاكية إلى سيولة نقدية فورية، وذلك عبر منصات إلكترونية أو تطبيقات تمويل استهلاكي، مما يجعل العملية أكثر انتشارًا واتساعًا مقارنة بالسنوات الماضية.
وأوضح عبداللطيف أن هذا الأسلوب، رغم قدرته على توفير المال بسرعة، يحمل مخاطر واسعة قد تمتد إلى الأفراد والشركات والاقتصاد ككل، خصوصًا في ظل طفرة غير مسبوقة يشهدها قطاع التمويل الاستهلاكي نفسه. فقد ارتفعت قيمة التمويلات بنحو 57% خلال عام واحد لتصل إلى 66 مليار جنيه، وقفز عدد العملاء بنسبة 180% ليتجاوز حاجز 8 ملايين عميل في فترة زمنية وجيزة.
اختلالات في سوق التمويل… وضغوط تدفع إلى التسييل
وأشار حسن عبداللطيف إلى أن هذا النمو المتسارع خلق ضغوطًا كبيرة على العملاء في مواجهة التزاماتهم المالية، ما دفع شريحة واسعة منهم إلى اللجوء لعمليات التسييل النقدي كحل سريع لتوفير السيولة، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية وتآكل الدخل الحقيقي. وهو ما يجعل التسييل اليوم ليس مجرد ممارسة فردية، بل انعكاسًا لاختلالات أعمق داخل بنية التمويل الاستهلاكي.
وأوضح أن الاعتقاد بأن دور شركات التمويل يقتصر على منح القرض وتحصيل الأقساط هو تصور محدود للغاية، فالشركات باتت مطالبة بأن تكون “شريكًا ماليًا مسؤولًا” يساعد العميل على اتخاذ قرار سليم، خصوصًا في ظل توسع عمليات التقسيط لتشمل الاحتياجات الأساسية وليس الكماليات فقط.
الاستهلاك الدفاعي… والدخول في دوائر التعثر
ولفت عبداللطيف إلى بروز ما يُعرف بـ”الاستهلاك الدفاعي”، حيث يلجأ الأفراد إلى الاقتراض لتلبية الضروريات، وليس الرفاهيات، وهو ما يفسّر لجوء كثيرين إلى التسييل فور الحصول على التمويل، بهدف سد فجوات الدخل أو الوفاء بالالتزامات اليومية. ومع مرور الوقت، تتضخم الديون وينخفض هامش الأمان المالي، ما يمهّد لدخول فئات كبيرة في دوائر التعثر والغُرم.
المسؤولية الأخلاقية والمخاطر الخفية
وأكد أن من أهم مسؤوليات شركات التمويل الاستهلاكي ضمان الشفافية الكاملة عند تقديم المنتجات، وذلك عبر إطلاع العميل على جميع التفاصيل المتعلقة بالفوائد والرسوم الإدارية وغرامات التأخير وآثار التعثر. كما شدد على ضرورة تحذير العملاء من مخاطر التسييل الذي قد يتم عبر سماسرة غير رسميين يقدمون عروضًا مغرية تخفي خلفها تكاليف باهظة وديونًا مركّبة.
تداعيات على الشركات والقطاع المالي
وأشار عبداللطيف إلى أن خطورة الظاهرة لا تقتصر على المستهلكين فقط، فشركات التمويل تعتمد في نشاطها على الاقتراض من البنوك أو على التوريق، وبالتالي فإن أي ارتفاع في معدلات التعثر الناتجة عن التسييل ينتقل تأثيره مباشرةً إلى الشركات، ومنها إلى الجهاز المصرفي نفسه. وهذا الترابط قد يخلق مخاطر نظامية تهدد الاستقرار المالي، خاصة في حالة تراجع جودة المحافظ الائتمانية أو ضعف قدرة الشركات على امتصاص الخسائر.
وبين أنه ومع اتساع قاعدة المقترضين بهذا الشكل غير الطبيعي، تصبح هذه المخاطر أكثر حدة وإلحاحًا، ما يجعل الظاهرة قضية اقتصادية هيكلية وليست مجرد سلوك استهلاكي.
ارتباط الظاهرة بقضية الغارمين والغارمات
وقال عبداللطيف إن تضخم الديون الناجم عن اللجوء المستمر إلى التسييل لتغطية النفقات اليومية قد يدفع العديد من العملاء إلى التزامات تفوق طاقتهم، مما يخلق بيئة خصبة لانتشار “مجتمع الغارمين والغارمات”. وتتفاقم هذه الأزمة في ظل تراجع الدخل الحقيقي وفرص العمل، لتتحول الظاهرة إلى عبء اجتماعي ونفسي واسع التأثير.
إجراءات رقابية صارمة… ودعوة للمزيد من التعاون
وأشاد بالإجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها الهيئة العامة للرقابة المالية لمواجهة الظاهرة، والتي شملت الإعلان عن وجود جهات وصفحات على مواقع التواصل تمارس التسييل النقدي بشكل غير قانوني. ودعا جميع الشركات المانحة للتمويل إلى التعاون الكامل مع الهيئة، والإبلاغ عن أي نشاط مخالف، وتطبيق أعلى معايير الشفافية والحوكمة، وتطوير أدوات تقييم المخاطر، وتوفير حلول مالية مسؤولة للعملاء الذين يحتاجون إلى السيولة بطريقة قانونية وآمنة.
توازن مطلوب… ورؤية أكثر صرامة
وأكد عبداللطيف أن التزام الشركات بدورها الاجتماعي والرقابي يمكن أن يسهم بشكل كبير في الحد من انتشار الديون غير الصحية. فبتحقيق التوازن بين تلبية احتياجات العملاء العاجلة ونشر الوعي المالي وتقديم المشورة السليمة، يمكن منع وقوع الأفراد في فخ الديون المتراكمة، وتعزيز الاستقرار المالي والاجتماعي.
ختامًا: ظاهرة تكشف أزمة أعمق
واختتم عبداللطيف تصريحاته بالتأكيد على أن التسييل النقدي لم يعد مجرد ظاهرة مالية عابرة، بل مؤشر على خلل أوسع في مشهد الاستهلاك والتمويل في مصر. وبينما يظل التمويل الاستهلاكي أداة فعّالة عند استخدامه بشكل مسؤول، فإن التوسع غير المنضبط فيه، مقترنًا بالتسييل النقدي، قد يفتح الباب أمام أزمة يصعب احتواؤها إذا لم تُواجه بجدية وبنهج إداري ورقابي أكثر صرامة ووعيًا.






