نيران الشرق الأوسط تعيد تسعير المخاطر.. الاقتصاد المصري أمام اختبار الطاقة والدولار وقناة السويس

في ظل التصعيد العسكري الأخير بالمنطقة، والذي تضمن ضربات متبادلة بين الولايات المتحدة و**إيران**، بمشاركة مباشرة أو غير مباشرة من إسرائيل، إلى جانب انخراط أطراف إقليمية في مسارح عمليات متصلة بالبحر الأحمر والخليج العربي، تتزايد المخاوف من تحول التوترات الحالية إلى صراع إقليمي واسع النطاق، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية عابرة للحدود.
وشملت التطورات الأخيرة استهدافات جوية وصاروخية لمواقع عسكرية واستراتيجية، أعقبها ردود متبادلة رفعت منسوب المخاطر في ممرات حيوية للتجارة الدولية، وعلى رأسها البحر الأحمر ومضيق باب المندب والخليج العربي، وهي مناطق تمثل شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة وحركة الشحن العالمية.
ثلاث جبهات تضغط على الاقتصاد المصري
قال الدكتور محمد عبد الوهاب، المحلل الاقتصادي والمستشار المالي، إن اتساع دائرة المواجهة بين قوى دولية وإقليمية يضع اقتصادات المنطقة، ومنها مصر، أمام اختبار اقتصادي معقد، نظرًا لارتباطها الوثيق بأسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وأوضح أن الضغوط تنعكس على الاقتصاد المصري عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
1- مسار الطاقة وأسعار النفط
أشار إلى أن منطقة الخليج العربي تمثل نحو ثلث إمدادات النفط العالمية، وأي تهديد للإنتاج أو للممرات البحرية يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط والغاز.
وبالنسبة لمصر، فإن زيادة أسعار الطاقة تعني ارتفاع فاتورة الاستيراد، ما يضغط على تكلفة الإنتاج المحلي، ويغذي معدلات التضخم، ويؤثر على عجز الموازنة العامة.
2- سعر الصرف وتدفقات النقد الأجنبي
المسار الثاني يتعلق بأسواق المال وسعر الصرف، حيث تؤدي التوترات الجيوسياسية عادة إلى خروج جزئي لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مع اتجاه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب.
هذا التحول قد يزيد من الضغوط على العملة المحلية، ويرفع تكلفة التمويل الخارجي، ويؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر.
3- قناة السويس وحركة الملاحة
أما المسار الثالث فيرتبط بحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس والبحر الأحمر.
فمع تصاعد المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين البحري، قد تعيد بعض شركات الشحن تقييم مساراتها، ما قد يؤثر على انتظام حركة العبور والإيرادات الدولارية، حتى وإن كان التأثير مرحليًا.
الأمن الغذائي تحت ضغط سلاسل الإمداد
لفت عبد الوهاب إلى أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية أو ارتفاع تكاليف النقل قد يؤدي إلى زيادة أسعار الحبوب والسلع الأساسية، خاصة إذا تأثرت طرق الإمداد عبر البحر الأسود أو البحر الأحمر.
وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على منظومة الدعم الغذائي والموازنة العامة، في ظل حساسية ملف الأمن الغذائي بالنسبة للاقتصاد المصري.
دروس من التاريخ: كيف تأثرت مصر بالصراعات السابقة؟
التاريخ الاقتصادي الحديث يقدم أمثلة واضحة على تأثر مصر بالصدمات الإقليمية والدولية:
- حرب الخليج أدت إلى اضطراب أسواق النفط، لكنها صاحبتها إعفاءات ديون ودعم مالي دولي خفف الأعباء عن الاقتصاد المصري آنذاك.
- غزو العراق تسبب في موجة تضخم عالمية وارتفاع أسعار النفط، ما انعكس على تكلفة الاستيراد.
- الحرب الروسية الأوكرانية رفعت أسعار القمح والطاقة عالميًا، وأثرت على الموازنة ودفعت التضخم للارتفاع.
- كما أن توترات البحر الأحمر في فترات سابقة أثرت بشكل مؤقت على إيرادات قناة السويس.
ويرى عبد الوهاب أن هذه السوابق تؤكد أن الاقتصاد المصري يتأثر بالصدمات الخارجية بحكم موقعه الجغرافي واعتماده الجزئي على الاستيراد، لكنه يمتلك في المقابل خبرة مؤسسية وأدوات لإدارة الأزمات والتكيف مع التقلبات.
إدارة المرحلة: مرونة وسرعة استجابة
أكد عبد الوهاب أن المرحلة الحالية تتطلب سياسات نقدية ومالية متوازنة، مع تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من السلع والطاقة، وتنويع مصادر الاستيراد، وتسريع جهود توطين الصناعة، إلى جانب استخدام أدوات التحوط المالي لتقليل أثر تقلبات الأسواق.
وشدد على أن «التحدي الحقيقي لا يكمن في وقوع الصدمة، بل في سرعة الاستجابة ومرونة إدارة المخاطر»، مشيرًا إلى أن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات تعتمد على جاهزية السياسات وفاعلية التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية







